آفاق علمية
اعداد المهندس أمجد قاسم
الكيمياء الخضراء .... والعودة نحو الطبيعة
 

المهندس أمجد قاسم

جنسترا آفاق علمية

 

          يلعب النفط والمخلفات النفطية دورا هاما في الصناعات الحديثة ، ويمكن القول أن حياتنا العصرية قائمة بشكل مباشر على المواد والأدوات المصنوعة من النفط ومشتقاته ، وقد أسهم التقدم العلمي والتقني في صناعة وابتكار الكثير من المواد التي يدخل النفط بشكل رئيس في صناعتها ، كالمنسوجات والبلاستيك ومواد التنظيف والأجهزة الكهربائية والأسمدة وبعض الأدوية وغيرها الكثير من المنتجات التي أصبحنا نعتمد عليها بشكل كلي في حياتنا اليومية.

          هذه المواد والمنتجات تستهلك كميات كبيرة من النفط ، حيث قدرت إحدى الدراسات التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية ، انه تم استخدام 5 % من مجمل النفط الخام في عام 2007 لأغراض ليس لها علاقة بإنتاج الطاقة ، وهذه الكمية تعادل حوالي مليون برميل من النفط يوميا.

          ويمكن القول أن كافة المواد التي يدخل في صناعتها مواد ومشتقات نفطية لها آثار سلبية على البيئة ، حيث تسهم بشكل كبير في زيادة التلوث بالمواد الكيميائية والتي تؤدي إلى حدوث خلل بيئي كبير ، ناهيك عن السموم الثانوية الخطيرة التي تنجم عنها .

          من هنا فقد تنبه الكثير من الباحثين إلى ضرورة استبدال كافة المواد والمنتجات التي يدخل في صناعتها النفط أو المخلفات النفطية ، وإنتاج مواد جديدة صديقة للبيئة ولا تتسبب في آثار سلبية على صحة الإنسان وحياته واستقراره .

          من هنا فقد ظهرت ما تعرف باسم (( الكيمياء الخضراء Green Chemistry )) والتي ترتكز عليها صناعة حديثة قائمة على تصنيع وإنتاج مواد جديدة خالية من الملوثات البيئية ، والعمل على استبدال المواد المشتقة من البترول بمواد أخرى طبيعية مستقاة من مواد ومنتجات زراعية كالقمح والبطاطا والبيوماس والزيوت النباتية المختلفة .

          يقول في هذا الصدد البروفيسور الأمريكي ( جون وارنر) من جامعة ماساشوستس والمتخصص في مجال الكيمياء الخضراء ( إننا بحاجة لابتكار نوع جديد من التقنية ، بحيث يمكننا أن نصنع منتجات من مواد طبيعية ، وان تكون هذه المنتجات مشابهة في الخواص للمنتجات الموجود الآن والمصنوعة من مشتقات نفطية.

         

          منتجات وبدائل مختلفة

          تعتبر المنظفات والأصباغ ومواد العناية الشخصية والشامبوهات من أكثر المواد التي ركزت عليها الكيمياء الخضراء ، فهذه المواد التي يصنع عدد كبير منها من مشتقات النفط ، أسهمت في زيادة التلوث على سطح الأرض ، مما استدعى إجراء وتطوير تقنيات تعتمد على تصنيع مواد جديدة من مشتقات طبيعية ، ويوضح مدير شركة أورو الأمريكية لصناعة الأصباغ أن شركته تمكنت من إنتاج مجموعة متميزة من الأصباغ من زيوت طبيعية منذ سنوات وتم إلغاء كافة المواد النفطية التي تدخل في صناعة مثل هذه الأصباغ ، ويوضح أن منتجاتهم الجديدة صديقة للبيئة.

          أما في مجال المنظفات المنزلية والتي بدأت في الظهور وبشكل حاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية والتي استخدمت في صناعتها المشتقات النفطية ، فإنه قد تم تطوير منتجات جديدة من قبل شركة Seventh Generation المتخصصة في مجال صناعة المنظفات الخالية من المواد النفطية ، ويوضح مدير قسم الإنتاج والتكنولوجيا في هذه الشركة بقوله إن منتجاتهم قائمة على الدهون الحيوانية والنباتية ، حيث استخدمت كأساس لصناعة الصابون وبقية المنظفات .

          إن مثل هذه الأفكار والصناعات الرائدة ، قادت الكثير من الباحثين إلى تطوير الكيمياء الخضراء وابتكار تقنيات جديدة لاستبدال المواد البلاستيكية المعروفة حاليا ، وقد بدأت المحاولات الأولى في أربعينيات القرن الماضي ، لكن نظرا للثورة النفطية التي شهدها النصف الثاني من القرن الماضي ، وزيادة الطلب وبشكل حاد على المواد البلاستيكية واللدائن ، فقد تأخر ظهور ما يعرف باللدائن الطبيعية ، وخصوصا أن البلاستيك التقليدي الذي يدخل في صناعته مشتقات نفطية يمتلك خواص فيزيائية وكيميائية متميزة ، من أهمها الثبات والديمومة والقوة والمتانة وغيرها الكثير من الخواص التي تجعل عملية استبدال البلاستيك التقليدي بآخر مصنوع من مواد طبيعية أمرا صعبا .

          لقد أسفرت التجارب التي قام بها البروفيسور جيفري كوكس وزملاؤه من الباحثين المختصين في مجال اللدائن الخضراء بجامعة كورنيل الأمريكية ، عن إنتاج أنواع خاصة من اللدائن الطبيعية مكونة من مزيج من بروتينات فول الصويا والألياف الطبيعية ، كما أجريت تجارب أخرى في جامعة ماساشوستس لإنتاج لدائن طبيعية من نبات القمح وهذه المنتجات الجديدة يتم معالجتها بالأشعة فوق البنفسجية من أجل تقويتها وإكسابها صفة الديمومة التي تتمتع بها المنتجات البلاستيكية التقليدية.

 

محاذير يجب دراستها بدقة

          إن الهدف الرئيس لإنتاج مثل هذه اللدائن ، المساهمة إلى حد ما في محاربة التلوث البيئي من خلال تقليل الاعتماد على النفط ومشتقاته ، وأيضا إنتاج مواد يمكن أن تتحلل مستقبلا ولا تتراكم في النظام البيئي المحيط بنا ، مع إمكانية إعادة تدويرها من جديد للاستفادة منها لإنتاج مواد جديدة .

لكن وبالرغم من التقدم المطرد في مجال الكيمياء الخضراء ، لكن تبقى هناك بعض المشاكل الفنية والتكنولوجية والاقتصادية ، ومن أهمها أن إنتاج مثل هذه المواد سيكون على حساب الإنتاج الزراعي وما سينجم عنه من تقليل كمية المنتجات الزراعية المخصصة للاستهلاك الآدمي ، هذا بالإضافة إلى أن تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي لإنتاج نباتات قابلة لتصنيعها مستقبلا ضمن تقنيات الكيمياء الخضراء يتطلب توفير مياه لها وأسمدة ومبيدات حشرية وعشبية وغيرها الكثير من المستلزمات الهامة ، وهذا سوف يسهم في خلق نوع جديد من التلوث البيئي.

          إن ما تسعى إليه الكيمياء الخضراء من إعادة تشكيل عالمنا وتصنيع منتجات من مواد طبيعية يعتبر خطوة هامة في سبيل كبح جماح التلوث البيئي والعودة تدريجيا نحو الطبيعة ، لكن ينبغي أن يتم ذلك بأقل التكاليف المادية ومراعاة النظام البيئي لحفظ التوازن الحيوي لكوكب الأرض ، إننا بحاجة ماسة إلى أن تسهم الكيمياء الخضراء في دعم عملية التطوير الصناعي والعلمي ، لكن يجب في نفس الوقت مراعاة أن لا يكون ذلك على حساب قوت وغذاء الإنسان.

 


آفاق علمية

اقرأ أيضا
  • ما هو الثمن الحقيقي لاتصالاتنا الخليوية؟
  • المراهقون يُخاطرون بفقد حاسة السمع بسبب الموسيقى
  • مايون يقذف الرماد والدخان ويثير رعب الفليبينيين
  • ما هو مصل الحقيقة ؟
  • كيف تتم عملية شد الوجه؟
  • كيف يعمل الجهاز الكاشف للكذب؟
  • لماذا يشيب الشعر ؟
  • لماذا تبدو السماء زرقاء ؟
  • لماذا تشتهر إطارات السيارات بأنها سوداء اللون ؟
  • الاطفال يتناولون اغذية غير صحية
  • الثوم لمكافحة الملاريا
  • تقنيات النانو تفتح آفاقا واعدة في قطاعات الطب والاقتصاد ومختلف مناحي الحياة
  • القرفة تقتل بكتريا الفم الكريهة
  • الحياة تلاشت على الارض مرتين !
  • تكريم روبوت !
  • أكتشاف مخلوق جديد !
  • 69 بالمائة من الأطباء الأمريكيين يؤمنون بالله !
  • أشعة الليزر
  • اختراق سرعة الضوء؟!
  • أمد الحياة أطول عند ذوات الأرداف العريضة
  • ناسا تستأنف استكشاف القمر بحلول 2018
  • العلماء يطورون جهاز لرؤية الأجسام خلف الحواجز
  • وكالة الفضاء الأوروبية تعتزم إرسال روبوت للمريخ
  • الأسبرين لا يشكل خطورة على الحوامل
  • طبق المعادلة الآتية، تحصل على إكسير السعادة!
  • نيزك يقترب من الأرض
  • مايكروسوفت توقف العمل بويندوز 98
  • العيش وحيدا "يضاعف مخاطر الإصابة بأمراض القلب"
  • ستمائة مادة كيمائية في السيجارة الواحدة
  • حريق وانفجار اجهزة محمولة
  • تحذير... برنامج فيروسي يقتحم أجهزة مستخدمي بريد ياهو الإلكتروني
  • هاتف محمول ومشغل موسيقى رقمي بنظارة شمسية من "أوكلي"
  • السبانخ قيمة غذائية عالية.. وعالم من الأسرار
  • دماغ الأطفال الأكثر ذكاء يتطور ببطء
  • البرتقال يحمي الجسم من أمراض القلب والشرايين
  • انتبه..طرقعة الأصابع تسبب خللاً مزمناً في المفاصل
  • الحموضة فى المحيطات تنذر بإبادة الشعب المرجانية
  • نصائح مفيدة للوقاية من أمراض القلب
  • الثوم والتفاح يحميان الجسم من خطر الزرنيخ
  • مخترعات هامة شهدها القرن العشرين
  • الإنترنت عن طريق (الفيش) الكهربائي
  • ابتكارات جديدة للمنزل العصري
  • «البوليميا».. بين الشراهة في الأكل ومحاولة التخلص منه
  • برنامج «ويندوز» لتصميم الروبوتات
  • أبحاث رائدة لتطوير أنسجة توصيل الكهرباء في القلب
  • كيف تتخلصين من بقع العفن بفعالية
  • قشرة الرأس ..كيف تتخلص منها؟!
  • السمك يقي من خطر الإصابة بالنوع الاكثر شيوعا من العمى
  • تكنولوجيا الحرب
  • لا تدع الريموت كنترول يخدعك
  • البريطانيون يدفعون ثمن مشترياتهم بواسطة البصمات
  • الطعام المقلي في زيوت نباتية قد يحتوي على مواد سامة
  • النانو تكنولوجيا.. أعجوبة العالم الجديدة


  • أضف تعليقا



    أضف تعليقا

    <<الصفحة الرئيسية

    كل ما يرد في آفاق علمية من معلومات أو أبحاث أو أخبار طبية أو تغذوية ، هي للأغراض التعليمية والتثقيفية فقط ، ولا يجب أن تستخدم كبديل عن النصائح الطبية أو التشخيص و المعالجة المقدمة من الطبيب أو أي شخص آخر مؤهل لتقديم الرعاية الصحية، لذلك نرجو ألا تستخدم أية معلومة طبية في آفاق علمية بغرض تشخيصي أو علاجي لأية حالة مرضية دون إشراف طبي مباشر. تخضع كافة التعليقات للمراجعة وسيتم نشرها حال الموافقة عليها. ليس لنا علاقة بمحتوى إعلانات الجوجل. الآراء والتعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها فقط